أبو علي سينا
الفن السادس 226
الشفاء ( الطبيعيات )
بالإحساس والسماع والتجارب ، لا لأنى أعرف أنى أنا ، فيكون إذن ليس ذلك العضو لنفسه الشئ الذي أشعر « 1 » به أنه أنا بالذات ، بل يكون بالعرض أنا ، ويكون المقصود بما أعرفه منى أنى أنا الذي أعنيه « 2 » في قولي : أنا أحسست وعقلت وفعلت ، وجمعت هذه الأوصاف شيئا آخر هو الذي أسميه أنا « 3 » . فإن قال هذا القائل : إنك أيضا لا تعرفه أنه نفس فأقول : إني دائما « 4 » أعرفه على المعنى الذي أسميه النفس ، وربما لا أعرف تسميته باسم النفس . فإذا فهمت ما أعنى بالنفس ، فهمت أنه ذلك الشئ ، وأنه المستعمل للآلات من المحركة والدراكة . وإنما لا أعرف ما دمت لا أفهم معنى النفس ، وليس كذلك حال قلب ولا دماغ فإني أفهم معنى القلب والدماغ ولا أعلم ذلك ، فإني إذا عنيت بالنفس أنه الشئ الذي هو مبدأ هذه الحركات والإدراكات التي لي ومنتهاها في هذه الجملة عرفت أنه إما أن يكون بالحقيقة أنا أو يكون هو أنا مستعملا لهذا البدن ، فكأني الآن لا أقدر أن أميز الشعور بأنا مفردا عن مخالطة الشعور بأنه مستعمل للبدن ومقارن « 5 » للبدن . وأما أنه جسم أوليس بجسم ، فليس يجب عندي أن يكون جسما ، ولا يتخيل هو لي جسما من الأجسام البتة ، بل يتخيل لي وجوده فقط من غير جسمية . « 6 » فيكون قد فهمت من جهة أنه ليس بجسم ، فإذا « 7 » لم أفهم الجسمية ، مع أنى فهمته . ثم إذا « 8 » حققت فإني كلما عرضت « 9 » جسمية لهذا الشئ الذي هو مبدأ هذه الأفعال ، لم يجز أن يكون ذلك الشئ جسما ، فبالحري أن يكون تمثله الأول في نفسي أنه شئ مخالف لهذه الظواهر وأن تغلطنى مقارنة الآلات ومشاهدتها وصدور الأفعال عنها ، فأظن أنها كالأجزاء منى ، وليس إذا غلط في شئ وجب له حكم ، بل الحكم لما يلزم « 10 » أن يعقل . وليس إذا كنت طالبا لوجوده « 11 » ولكونه غير جسم فقد كنت جاهلا بهذا جهلا مطلقا ، بل كنت غافلا عنه . وكثيرا ما يكون العلم بالشيء قريبا ، فيغفل عنه ، ويصير في حد المجهول ، ويطلب من موضع أبعد .
--> ( 1 ) أشعر به : أشعرته ك ، م . ( 2 ) أعنيه : أعينه م . ( 3 ) أنا : ساقطة من د . ( 4 ) دائما : وإنما ك . ( 5 ) ومقارن : وقارن د . ( 6 ) جسمية : جسميته ك . ( 7 ) إذا : إذ ك ( 8 ) ثم إذا : وإذا م . ( 9 ) عرضت : فرضت ك . ( 10 ) يلزم : وجب م ( 11 ) لوجوده : الوجود م .